عبد اللطيف البغدادي
27
الإفادة والاعتبار في الأمور المشاهدة والحوادث المعاينة بأرض مصر
وهو حسن الصورة مقبولها ، عليه مسحة بهاء وجمال كأنه يضحك تبسما ، وسألني بعض الفضلاء : ما أعجب ما رأيت ؟ ، فقلت : تناسب وجهِ أبي الهول فأنّ أعضاء وجهه بالأنف والعين والأذن متناسبة كما تصنع الطبيعة الصور متناسبة ، فإنّ أنف الطفل مثلا مناسبٌ له وهو حسن به حتى لو كان ذلك الأنف لرجل كان مشوّهاً به ، وكذلك لو كان أنف الرجل للصبي لتشوهت صورته ، وعلى هذا سائر الأعضاء فكلّ عضوٍ ينبغي أن يكون على مقدارٍ وهيئة ، بالقياس إلى تلك الصورة وعلى نسبتها فإن لم توجد المناسبة تشوهت الصورة ، والعجَب مِن مصوِّره ، كيف قدر أن يحفظ نظام التناسب في الأعضاء مع عظَمِها ، وأنه ليس في أعمال الطبيعة ما يحاكيه وينقله . ومن ذلك الآثار التي بعين شمس ، وهي مدينة صغيرة يشاهد سورها مُحدِقا بها مهدوما ، ويظهر من أمرها أنها قد كانت بيت عبادة ، وفيها من الأصنام الهائلة العظيمة الشكل من نحيت الحجارة يكون طول الصنم زهاء ثلاثين ذراعا ، وأعضاؤه على تلك النسبة من العِظَم ، وقد كان بعض هذه الأصنام قائما على قواعد ، وبعضها قاعداً بنصباتٍ عجيبة ، وإتقانات محكمة ، وباب المدينة موجود إلى اليوم ، وعلى معظم تلك الحجارة وتصاوير الإنسان وغيره من الحيوان ، كتابات كثيرة بالقلم المجهول ، وقلّما يُرى حجرٌ غفلا من كتابة أو نقش أو صورة ، وفي هذه المدينة المسلَّتان المشهورتان ، وتسميان مسلتي فرعون ، وصفة المسلة أنّ قاعدةً مربعةً طولها عشر أذرع في مِثلها عرضاً في نحوها سمكاً ، قد وُضعت على أساس ثابتٍ في الأرض ثم أُقيم عليها عمود مربّع ، يَنيفُ طوله على مائة ذراع ، يبتدئ من قاعدةٍ لعلَّ قُطرها خمس أذرع وينتهي إلى نقطة ، وقد لبس رأسها بقلنسوة نحاس إلى ثلاث أذرع منها كالقمع وقد تزنجر بالمطر ، وبطول المدة أخضرَّ وسالَ مِن خضرته على بسيط المسلّة ، والمسلة كلّها عليها كتابات بذلك القلم ، ورأيتُ إحدى المسلتين وقد خرّت وأنصدعت من نِصفها لعِظم الثقل ، وأخذ النحاس من رأسها ، ثم أن حولها من المسال شيئا كثيرا لا يحصى عددها ، مقاديرها على نصف تلك العظمى أو ثلثها ، وقلما تجد في هذه المسالِّ الصغار ما هو قطعة واحدة ، بل فصوصا بعضها على بعض ، وقد تهدَّم أكثرها وإنما بقيت قواعدها .